محمد محمود حجازي
6
التفسير الواضح
ومن شاء فليكفر ، طلبوا من النبي آيات كفلق البحر ، وانقلاب العصا حية إلى آخر ما مضى من الآيات التسع التي أنزلت على موسى ، وكالآيات التي أنزلت على عيسى من إحياء الموتى وإبراء المرضى إلى آخر ما عرفت ، فرد اللّه عليهم أيضا لافتا نظرهم إلى القرآن الذي هو المعجزة الباقية فقال : أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ، وقد تحداهم ربك أن يأتوا بمثله أو بسورة منه وأن يتعاونوا في ذلك مجتمعين مع شهدائهم وأوليائهم فعجزوا عن هذا مع التحدي الشديد اللهجة ، وهم قوم عرب يؤلمهم جدا أن يهزموا ، أفلا يكفيهم هذا معجزة ؟ ولو أتاهم ربك بآيات كآيات موسى وعيسى لقالوا : سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون ! ! على أنهم قوم عرب نبغوا في صناعة البلاغة والبيان فيكونون أقدر الناس على فهم حقيقة الإعجاز فيه ، كسحرة فرعون بالنسبة إلى عصا موسى . لا يا قوم ! إن في ذلك الكتاب لرحمة ، وأي رحمة أكثر من هذا ؟ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً وإنه لذكرى وأي ذكرى ؟ فهو الباقي ، وكل آية مادية تفنى ، وهل يكون غيره دليلا على صدق رسالة باقية إلى الأبد ؟ فهو الآية المستمرة الباقية على مر الدهور والسنين بخلاف ناقة صالح ، وعصا موسى ، وإبراء الأكمه من عيسى - عليهم جميعا الصلاة والسلام - نعم هو الكتاب الذي يتلى ، وهو الآية التي لا تنقضي عجائبها ، ولا تخلق جدتها ، بل كلما تقدم الزمن وتقدم العلم ظهرت أسرار الشريعة ، وحقائق القرآن واضحة جلية سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ . . [ سورة فصلت آية 53 ] . هو رحمة وذكرى وعظة وعبرة ولكن لقوم يؤمنون . قل لهم يا محمد : كفى اللّه شهيدا ، وكفاه بيني وبينكم حكما مقسطا يشهد بصدقى وهو العليم الخبير بخلقه ، ويعلم ما في السماوات والأرض ، وأنا أدّعى أنى رسوله فلو كنت كاذبا لقطع منّى الوتين ، ولخسف بي وبداري الأرض ، وكنت من المهلكين ، وكيف يكون ذلك . وهو يرعاني ويكلؤنى بعين لا تنام ، ويحرسني بيد لا ترام ! ! والذين آمنوا بالباطل ، وصدقوا بالتّرهات والأراجيف ، والذين كفروا باللّه ، أولئك جميعا هم الخاسرون ، أما الأولون فهم أهل الكتاب الذين لم يتبعوا الحق ، وأما الآخرون فهم المشركون الضالون .